روسيا غير مستعدة للتخلي عن آخر قلاعها في المنطقة وهي سورية
<لافروف> هو السد
العالي أمام مشروع
الجامعة العربية في
مجلس الأمن!
إنه اليوم العصيب في مجلس الأمن. فمساء هذا اليوم الجمعة، بتوقيت بيروت، والظهيرة بتوقيت نيويورك، يجري التصويت على مشروع الجامعة العربية لحقن الدماء في سورية، ونقل السلطة الرئاسية من الرئيس السوري بشار الأسد الى نائبه فاروق الشرع. ومعروف أن للرئيس السوري نائبين: الشرع والدكتورة نجاح العطار التي غاب صوتها الثقافي عن الأحداث الجارية في سورية، مثلما غاب صوت المعلق السياسي المعروف عماد فوزي الشعيبي، ولم يظهر له ظل في.. المعمعة!
والتصويت مهدد بالحاجز الكبير الذي هو <الفيتو> الروسي، و<الفيتو> حسب دستور مجلس الأمن يلغي أي قرار حتى لو كان مع هذا القرار عشرة أصوات، وهو العدد الذي حدده وزير خارجية فرنسا <آلان جوبيه> لمؤازرة مشروع الجامعة العربية الذي قام بتسويقه في نيويورك أمين عام الجامعة العربية الدكتور نبيل العربي، ورئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، ولكن أنت تريد وأنا أريد و<الفيتو> الروسي يفعل ما يريد، ويعطل أي حل ممكن لحقن الدم السوري، سواء أكان دم النظام أم دم المعارضة، لأن الدم في الحالتين واحد.
وثمة نور في آخر النفق يراهن عليه نبيل العربي وحمد بن جاسم بن جبر، وهو تدخل الرئيس الروسي <ديمتري ميدفيديف> في آخر لحظة، ليوعز الى المندوب الروسي في مجلس الأمن <فيتالي تشوركين> بتمرير مشروع الجامعة العربية، وذلك بالامتناع عن التصويت، أو النأي بالنفس، كما التعبير ــ الماركة المسجلة للرئيس نجيب ميقاتي ــ وهو مستمد من الصوت الصيني في مجلس الأمن عام 1981 عند اندلاع الحرب العراقية ــ الإيرانية، باعتبار أن مصالح الصين موزعة بين العراق وإيران، وهذه عين يمنى وتلك عين يسرى، والنأي بالنفس أفضل الحلول!
والتوقعات المنتظرة لتدخل <ميدفيديف> في آخر لحظة تستند الى تصريحه الشهير منذ أسابيع حين قال بالحرف الواحد: <إن على الأسد قبول الحوار مع المعارضة وتنفيذ الاصلاحات أو الرحيل>، والرحيل أو التنحي واحد. فإذا التزم <ميدفيديف> بتصريحه المسجل صحافياً وتليفزيونياً، كان عليه أن يوعز الى وزير الخارجية <سيرغي لافروف> أو الى <فيتالي تشوركين> بأن لا يثير مشكلة في مجلس الأمن، فتدخل روسيا في عزلة دولية اضافة الى انقطاع سبل تعاونها مع المعارضة السورية إذا تسلمت السلطة، فتخسر بذلك بلدين هما ليبيا وسورية، بسبب خطأ التقدير السياسي.
والسؤال الآن: لمن هو ولاء وزير الخارجية الروسي <سيرغي فيكتوروفيتش لافروف> (62 سنة)؟ هل هو للرئيس <ميدفيديف> الذي تنتهي ولايته في آذار (مارس) المقبل، أم لرئيس الوزراء <فلاديمير بوتين> الذي ترجح الاستطلاعات وصوله الى قصر <الكرملين> في المعركة الرئاسية ولو بأكثرية ضئيلة؟
و<لافروف> ليس غريباً على مجلس الأمن وهيئة الأمم. فقد كان المندوب السوفييتي هناك من عام 1994 الى عام 2004، ويتقن الروسية والفرنسية والانكليزية والسنهالية، لغة أهل القوقاز. وقد تولى رئاسة مجلس الأمن ثلاث مرات: واحدة في كانون الأول (ديسمبر) 1995، وثانية في حزيران (يونيو) 1997، وثالثة في تموز (يوليو) 1998. و<بوتين> هو الذي عينه وزيراً للخارجية في آذار (مارس) 2004 خلفاً للوزير السابق <ايغور ايفانوف>.
ما هو الثمن يا <لافروف>؟
أي أن <لافروف> بحكم هذه الخبرة الطويلة في مجلس الأمن، يعرف الخبايا التي في الزوايا، وكيف ينقل البارودة من كتف الى كتف إذا اقتضى الأمر..
والرجل موصوف بحسه الفني، فهو يعزف على الغيتار ويتقن الغناء والشعر، ولا ينقطع عن الرياضة. وكل ذلك يرفده بالمرونة، أكثر مما يرفده بالتصلب.
و<لافروف> يتأثر ويؤثر. أي يراعي خاطر رئيس البلاد <ديمتري ميدفيديف>، ولكنه يستطيع أن يقنع <ميدفيديف> بأن دعوته الى الحوار في موسكو بين أهل النظام السوري والمعارضة السورية استجاب لها الرئيس بشار الأسد، ورفضها الدكتور برهان غليون رئيس المجلس الوطني السوري، الجناح السياسي للمعارضة، إلا إذا جاءت مع قرار الرئيس الأسد بالتنحي. وقد تبلغ <لافروف> من الدكتور غليون وعداً بعدم المساس بالمعاهدة الروسية ــ السورية التي تجعل من ميناء طرطوس قاعدة للأسطول الروسي. إلا أن <لافروف> لم يكتف بهذا الوعد، ويطلب لتنحي الرئيس الأسد ثمناً أكبر.
فما هو الثمن؟!
أولاً: أن يكون المشروع الروسي المقدم الى مجلس الأمن، ويخلو من مسألة تنحي الرئيس الأسد، هو المعتمد في التصويت لا مشروع الجامعة العربية، وحجته في ذلك أن الجامعة العربية مددت عمل المراقبين العرب شهراً من الزمن، ثم توجهت الى مجلس الأمن، وكان عليها أن تنتظر التقرير النهائي لرئيس المراقبين العرب محمد مصطفى الدابي، قبل أن تسلك طريق نيويورك.
ثانياً: إن الولايات المتحدة بمشروع الجامعة العربية تخرج الدب الروسي من الشواطئ الدافئة في سورية والمنطقة، لتحل هي مكانها، وكأن الحرب الباردة بين الأميركان والسوفييت لا تزال مستمرة. وروسيا لن تمسح باقتلاعها من المنطقة، بدءاً من سورية، فقد خسرت نفوذها في مصر تحت ضربات نظام الرئيس أنور السادات، وخسرت نفوذها في العراق بعد احتلالها من قبل القوات الأميركية عام 2003، وخسرت حضورها السابق في ليبيا القذافي، وغير مستعدة لخسارة سورية، بل ستقاتل من أجلها حتى آخر رمق.. سياسي.
ثالثاً: سورية بالنسبة لروسيا سوق سلاح مهم، وقد باعت لسورية حتى الآن أسلحة بقيمة 526 مليون يورو وفق اتفاقيات تسلح عام 2010، وقد زودتها مؤخراً بست وثلاثين طائرة مقاتلة من طراز <ياك 130>. ويقول المحلل السياسي الروسي <بوريس دوولغوف>، خبير معهد الشرق في روسيا: <إن سورية هي خط تحالفنا الأخير في منطقة الشرق الأدنى، وإذا خنا هذا التحالف، ستهتز صورتنا في المنطقة ولن يثق فينا أي بلد بعد اليوم>.
رابعاً: هي حرب باردة مستترة بين الولايات المتحدة وروسيا. فواشنطن، كما يقول الروس، وراء شد عصب جيش سورية الحر الذي يدق على أبواب دمشق، وواشطن، في رأي الروس، هي التي حرضت بعض الدول العربية على سحب موفديها في بعثة المراقبين العرب.
قمة العرب في بغداد!
ويبقى السبب الخامس للموقف الروسي ضد أي تدخل خارجي في سورية، وهو أن انتخابات الرئاسة في روسيا على الأبواب في آذار (مارس) المقبل، ويريد <فلاديمير بوتين> أن يطل من منصة هذه الانتخابات كرئيس دولة قوية ترهب الغرب ولا ترهبه، وهذا ما يساعد على تحصيل نسبة عالية من الأصوات لصالحه ضد مرشحي المعارضة.
أضف الى ذلك معلومات تسلمها <بوتين> من جهاز المخابرات، وهو أبو المخابرات، منذ أن كان على رأس جهاز الـ<كا جي بي>، بأن المخابرات الأميركية كانت وراء التظاهرات التي اشتعلت ضده في موسكو خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، ويمكن لهذه التظاهرات أن تتجدد في أية لحظة.
وها هو <لافروف> يقول في القناة التلفزيونية اليابانية <أن أتش كا>: <إن بعض شركائنا في مجلس الأمن استغلوا الموقف المتدهور في سورية للوصول الى تحقيق مصالحهم الجيوبوليتيكية. ولن نفسح لهم المجال لذلك، على الأقل حتى انتخابات الرئاسة الروسية في آذار (مارس) المقبل>.
تلك هي الأسباب لشراسة الدعم الروسي للنظام السوري، وكل يوم يمر على روسيا يزيدها شراسة لأن سورية هي آخر سهم في الجعبة الروسية.
ومقابل ذلك كله لا بد للجامعة العربية أن تمارس حضورها الدولي، فلا يسقط مشروعها الخاص بسورية، وفيه طلب تنحي الرئيس بشار الأسد، وتسليم سلطاته لنائبه فاروق الشرع، تماماً كما كانت صيغة المبادرة الخليجية في اليمن، أي يكون فاروق الشرع هو عبد ربه منصور هادي في سورية. وإذا سقط مشروع الجامعة العربية في مجلس الأمن، فسيرتد ذلك على سمعة الجامعة، ويكون النظام السوري هو الذي ربح الجولة على الجامعة العربية لا العكس، ويؤثر بالتالي على القمة العربية التي ستنعقد في بغداد مع أواخر آذار (مارس) المقبل، هذا إذا لم تشتد وتيرة الانفجارات في العراق، ويشكل ذلك خطراً على سلامة القادة العرب، خصوصاً وأن العائدين من العراق يقولون إن البلاد هناك أشبه بثكنة عسكرية.
والولايات المتحدة التي انسحبت عسكرياً من العراق، لا تزال صاحبة الكلمة السياسية الأولى هناك، ونائب الرئيس الأميركي <جوزف بايدن> هو الذي اتصل بزعيم القائمة العراقية الدكتور اياد علاوي، وطلب منه أن يفك مقاطعة نواب كتلته لجلسات مجلس النواب، والاكتفاء بمقاطعة وزراء الكتلة لجلسات مجلس الوزراء حتى انعقاد المؤتمر الوطني، ومثل <بايدن> فعلت وزيرة الخارجية الأميركية <هيلاري كلينتون>.
وهكذا صرنا أمام استحقاقين: مجلس الأمن الذي يجري التصويت فيه هذه الليلة على مشروع الجامعة العربية، والقمة العربية التي ستنعقد مبدئياً في بغداد مع نهاية شهر آذار (مارس) المقبل، وسيسأل بعض القادة العرب أمين عام الجامعة العربية نبيل العربي: ماذا فعلت في نيويورك؟! وأي المكاسب سجلتها؟! وبأي ثمار عدت بسلتك.. السياسية؟!
إنها الدوامة التي تلف أجواء هذه المنطقة حتى إشعار آخر!