Apr-17-2014
مسلسل الافكار كاريكاتور مجتمع ثقافة وفن اقتصاد أخبار عربية ودولية أخبار محلية مقال
Weather
Search
Statistics
أفكار إنمائية

نائب حاكم مصرف لبنان الأسبق الدكتور
حسين كنعان يشرح نظام ”فاتكا“ الأميركي:

”قانون فاتكا“ يساوي بين المواطنين الأميركيين المقيمين
وغير المقيمين دون تمييز في الحقوق والواجبات!


أصدرت الولايات المتحدة الأميركية في الفترة الأخيرة قانون <فاتكا> الذي يفرض ضريبة على الودائع المالية لكل من يحمل الجنسية الاميركية حتى لو لم يكن مقيماً في الأراضي الأميركية، وبالتالي طاول اللبنانيين الحاملين للجنسية الأميركية. فما هي سلبيات هذا القانون ومخاطره على الوضع المصرفي اللبناني؟ وما الهدف من إصداره في هذا التوقيت بالذات؟ وهل يرتبط مثلاً بمعاقبة خصوم الإدارة الأميركية أم له علاقة بالشأن المالي والنقدي الأميركي في ظل الأزمة المالية الأميركية والأوروبية؟
<الأفكار> استضافت في مكاتبها نائب رئيس حاكم مصرف لبنان الأسبق الدكتور حسين كنعان وحاورته على هذا الخط،بالإضافة الى الشؤون المالية اللبنانية الداخلية والأزمة الناشبة بين الهيئات الاقتصادية والدولة على أثر إقرار سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام بدءاً من السؤال:

قانون <فاتكا> والضمان الصحي

ــ قانون <فاتكا> الأميركي فرض 30 بالمئة على الودائع المالية لكل من يحمل الجنسية الأميركية سواء أكان مقيماً داخل أو خارج البلاد. فما سبب إصدار هذا القانون الظالم لمن لا يقيم في الولايات المتحدة ولا يستفيد في المقابل من التقديمات الاجتماعية؟
- لا بد أولاً من القول إن الولايات المتحدة الأميركية تعيش حالة دقيقة بما يتعلق بالاقتصاد. فهي منذ السبعينات حتى العام 2000، كانت تسيطر على اللعبة المالية في الكوكب كله، وتهيمن عليها أيضاً، لكن ظهر منافسون لها مثل الصين واليابان والاتحاد الأوروبي، ولذلك تحاول تنظيم أمورها المالية لاسيما أنها مديونة بحوالى 14 تريليون دولار في ظل توقّع بأن تصل هذه الديون عام 2020 الى ما فوق 20 تريليون دولار، وهذه مسألة خطيرة بالنسبة للدين العام قياساً الى الناتج القومي الذي ظهر له منافسون على الساحة الاقتصادية الدولية من الصين واليابان وأوروبا ودول <البريكس>، وبالتالي فالخلاف القائم في أميركا هو بين فلسفتين: الأولى هي الليبرالية التي يتبناها الرئيس الحالي <باراك أوباما>، بمعنى أن الاقتصاد يجب أن يكون في خدمة الشعب وليس الشعب في خدمة الاقتصاد، والفلسفة الثانية يعتمدها المحافظون الجدد وعلى رأسهم المرشح الرئاسي <ميت رومني> وتقول إن السوق الحرة هي لوحدها تنظم أمورها كما كان حال الآباء المؤسسين بدءاً من <جورج واشنطن> وجماعته الذين اجتمعوا في فيلادلفيا ووضعوا في الدستور الأميركي بنداً يقول إن السوق حرة وهي تضبط أوضاعها بنفسها دون تدخل من أحد حتى الدولة، لكن الليبراليين قالوا إن الدولة تتدخل في هذه السوق خدمة للمصلحة العامة وهي العدالة الاجتماعية أو تكسير الطبقية في المجتمع، حيث إن هناك حالياً واحداً بالمئة من الأميركيين يملكون 34 بالمئة من الثروة الوطنية، بينما كانت النسبة في السبعينات 19 بالمئة، وبالتالي فالليبراليون من <أوباما> وفريقه يقولون بضرورة تدخل الدولة حتى تحقق العدالة الاجتماعية، فيما يقول المحافظون إن من حق الأغنياء أن يكونوا أغنياء، علماً بأن الأخلاقية البروتستانتية تتنافر مع المسيحية في بعض النقاط، حيث قال السيد المسيح: <أيسر على الجمل أن يدخل في خرم الإبرة، من أن يدخل الغني ملكوت السماء>. ولذلك جاء البروتستانت من <مارتن لوثر> وجماعته وقالوا إن الغني أفضل من الفقير، لأن الغني يستطيع أن يفيد المجتمع ويخدمه من خلال التبرعات التي يقدمها ولا توجد منفعة للفقير، لاسيما أن مفهوم الغني هو من يتبرع ويقوم بأعمال خيرية وما شابه، وبالتالي فالصراع القائم اليوم حول شكل تنظيم الاقتصاد الوطني، بالإضافة الى كيفية خدمة المجتمع الأميركي الذي لا يعقل أن تقول لأفراده بأنه لا يمكن أن يملكوا الحق بالضمان الصحي في القرن الحادي والعشرين، خاصة أنه منذ عهد <فرانكلين روزفلت> حتى اليوم، لم يستطع أي رئيس أميركي توفير الضمان الصحي للأميركيين، لكن الرئيس <أوباما> وحده استطاع تحقيق هذا الإنجاز غير المسبوق، فيما يقول خصمه <رومني> بأنه إذا انتخب سيعيد النظر في عملية الضمان الصحي، خاصة أن صلاحيات رئيس الجمهورية هي أصغر من صلاحيات ملك وأكبر من رئيس وزراء، ومن هذه الصلاحيات تنظم علاقات التجارة بين الولايات المتحدة، وبالتالي عندما تقدم <أوباما> بمشروع الضمان الصحي وذهب الملف الى المحكمة الدستورية للبحث في قانونيته، صوّت خمسة أعضاء مع الضمان الصحي وأربعة ضده، لكن الذين صوّتوا ضده اعتبروا أن صلاحيات الرئيس لا تلحظ مثل هذا الحق له، إلا أن الذين صوّتوا مع المشروع قالوا إنه طالما صوّت الكونغرس معه فنعده قراراً من الكونغرس، وصوّتوا عليه على هذا الأساس، وليس على صلاحيات الرئيس. ومن هنا فالضمان الصحي والخدمات الاجتماعية ضروريان حسب رأي الليبراليين، ولا يجوز أن تكون الدولة المتحدة متخلفة في هذا المجال حسبما يقولون عكس المحافظين.
ــ هل يعني ذلك أن إصدار قانون <فاتكا> هدفه تمويل الضمان الصحي والخدمات الاجتماعية؟
- هذا صحيح، فالمواطن الأميركي عليه واجبات وله حقوق، وعندما يتمتع أي إنسان بالجنسية الأميركية سواء أكان في أميركا أو خارجها، ويدفع الضمان الاجتماعي، وله الحق بالطبابة بعد الستين، يتوجب عليه أن يعامل حامل الجنسية الذي لا يقيم في الولايات المتحدة كالأميركي المقيم كمبدأ عام، وبالتالي فلا تمييز بين مواطن وآخر، خاصة أن هناك 14 مليون شخص يحملون الجنسية الأميركية وهم خارج الأراضي الأميركية، وهؤلاء لهم الحق بالتطبيب والخدمات الاجتماعية كسائر المواطنين، وبالتالي يجب أن يطبق عليهم ما يطبق على المقيمين. أضف إلى ذلك أن معظم الأثرياء في أميركا يهرّبون أموالهم الى سويسرا والى دول أخرى، لكي لا تطالها الضريبة، وبالتالي في هذه الحالة، تتم ملاحقتهم من خلال قانون <فاتكا> خاصة أن بعض البنوك السويسرية دفعت مؤخراً غرامة تصل الى 180 مليون دولار نتيجة إخفاء معلومات عن بعض الأسماء التي تطالها الضريبة.
وتابع يقول:
- إذن أميركا كدولة اليوم من حقها عبر قانون <فاتكا> أن تساوي بين مواطنيها في الواجبات تماماً كما في الحقوق. والرئيس <أوباما> عندما انتخب قال الأوروبيون: لقد فضحتنا الديموقراطية الأميركية، إذ لو كان <أوباما> في أي دولة أوروبية لبقي حتى اليوم حاجباً أو يعمل خادماً في مطعم، أو سائقاً لسيارة عمومية، بينما أعطي الفرصة في الولايات المتحدة ووصل الى البيت الأبيض بعدما جاء من كينيا حيث يقول بنفسه إن الدماء الأفريقية تجري في عروقه، بالإضافة الى جذور إسلامية بعدما عاش في أندونيسيا وكان يستيقظ على صوت الأذان يصدح بهتاف <الله أكبر>، وبالتالي إذن لا بد من مساواة المواطنين الذين لا خوف من تطبيق الضريبة عليهم جميعاً دون تفرقة، حتى إن نائب رئيس الجمهورية الأسبق <سبيرو اغينو> في السبعينات طار من منصبه وجاء <جيرالد فورد> مكانه بسبب تهربه من ضريبة تصل الى 7 آلاف دولار فقط، وبالتالي فقانون <فاتكا> يساوي بين المواطنين رغم أنه يظلم البعض ممن لا يستفيدون من الضمان والخدمات الاجتماعية، وبالتالي فالقانون ضروري لتقديم الخدمات الاجتماعية ولتغطية الديون المستحقة كمصادر تمويل.
ــ الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> فرض ضريبة بنسبة 70 بالمئة على الأغنياء، فيما دعاهم رئيس وزراء بريطانيا <دايفيد كاميرون> للمجيء الى بريطانيا. فكيف تقرأ ذلك؟
- لا أحد يستطيع الهروب من الضريبة عند الأميركيين سواء ذهب الى بريطانيا أو غيرها، ويمكن للفرنسي إذا عاش خارج فرنسا ألا يدفع ضريبة، لكن حسب القانون الأميركي لا يمكن بأي شكل التهرّب من الضريبة، خاصة الأغنياء الذين تلاحقهم الإدارة الأميركية، علماً بأن الضريبة كانت تصاعدية في أيام الرئيس <ريتشارد نيكسون> وتصل الى حدود 70 بالمئة على الأغنياء، لكنها اليوم لا تصل الى30 بالمئة، وبالتالي فالضريبة التصاعدية هي لكسر الطبقية في المجتمع ولتأمين الخدمات الصحية والاجتماعية، خاصة أن هناك 40 مليون أميركي هم تحت خط الفقر ولا بد للدولة أن تقوم بتقديم خدمات اجتماعية لهم.
ــ ما مدى تأثير تطبيق هذا القانون على المصارف اللبنانية التي يودع من يحمل الجنسية الأميركية أمواله فيها؟
- التأثير لا يذكر، فالضريبة تلاحق من يودع ملايين الدولارات ويتهرّب من الدفع تحت طائلة التنازل عن الجنسية، لكن من يملك مئة ألف دولار لا يشكل مشكلة بالنسبة للإدارة الأميركية، خاصة أن هناك مصارف لبنانية لا تقبل بإيداع أموال لمن يحمل الجنسية الأميركية لتفادي الوقوع في هذه المشكلة، وبالتالي فالقانون لا يقصد البنوك اللبنانية لأنها لا تساوي سوى جزء صغير من حجم الضريبة.
ــ وماذا عن استهداف الإدارة الأميركية لبعض المصارف اللبنانية بحجة تبييض الأموال تحت مسميات شتى والهدف هو محاصرة إيران وسورية وحزب الله؟
- لا أكشف سراً إذا قلت إن أكثر دولة تبيض الأموال في العالم هي الولايات المتحدة الأميركية، خاصة من أموال المخدرات التي تأتي من أميركا الجنوبية، لكن لا يصدر قرار بخصوص تبييض الأموال، وهو مجرد عن اللعبة السياسية، بمعنى أن القرارات التي تتخذ في هذا الشأن القصد منها سياسياً مقاطعة الأخصام أو الأعداء، حتى إن بعض دول الخليج هي مصدر تبييض رئيس في المنطقة.

التوازن والضريبة التصاعدية

ــ كيف تقارب إقرار سلسلة الرتب والرواتب في ظل تحذير الهيئات الاقتصادية من التأثير السلبي على الخزينة والاقتصاد الوطني، وكيف السبيل لتأمين موارد هذه السلسلة دون فرض ضرائب إضافية؟
- نعيش في لبنان على ما يبدو عقلية المحافظين، بمعنى أن هناك شلة من الأغنياء يملكون الثروة الوطنية والجزء الأكبر من اللبنانيين يعانون من حالة الفقر، وبالتالي يجب أن نصل الى معادلة لكيفية تحصيل الأموال لتحسين الأوضاع الاجتماعية لهذه الفئات من المواطنين. والحل كما أرى هو اعتماد الضريبة التصاعدية التي تأخذ من كل مواطن حسب إمكانياته، لكن لا بد من السؤال عن أي نظام نتبع بحيث إننا حالياً لا نتبع النظام الليبرالي ولا النظام المحافظ، بل نعيش ضمن نظام الفوضى المالية، حتى إن مدير عام المالية آلان بيفاني قال منذ أيام إن موازنة عام 1993 لا أوراق تضبطها وموازنتي 1996 و1997 تنقصها بعض الأوراق والمستندات، ناهيك عن ضياع قيود مبلغ الـ 11 مليار دولار. وبالتالي نعيش حالة الفوضى. والرئيس الفرنسي الراحل <شارل ديغول> سبق وقال إن لبنان لا يملك مفهوم الدولة وهو مركز تجاري، لكن لا بد من تنظيم هذا المركز التجاري وعدم تركه غارقاً في الفوضى. إذ لولا المساعدات التي يحصل عليها بعض المواطنين من كل المذاهب والطوائف والتيارات، لكانت الصرخة علت، فهناك دول تدفع لبعض الفئات كمساعدات ما يجعل اللبناني يرتاح معيشياً وإلا لكنا أمام ثورة جياع.
ــ وماذا عن تأثير أموال المغتربين؟
- هذه محددة منذ أمد طويل ودخلت كبند رئيسي في الاقتصاد الوطني، لكن هذا الدخل غير المنظور من المساعدات لأطراف على الساحة اللبنانية يساهم في ستر بعض العائلات، ولولا ذلك لارتفعت الصرخة.
ــ وهل الهيئات الاقتصادية محقة في تحذيرها أم تتصرف كما حال المحافظين في أميركا؟
- سبق أن قلت إن هناك مدرستين: مدرسة الليبراليين ومدرسة المحافظين، ولبنان لا ينتمي الى أي منهما، بل يعيش حالة الفوضى الاقتصادية والمالية، إضافة الى أن القطاع العام مسيب الى درجة غير معقولة، وكان الرئيس فؤاد شهاب محقاً حين قال: <لا تسألي ابنك عن معاشه، بل اسألي عما يجنيه من خارجه>.. فهذه الذهنية موجودة والرشوة متمادية بكل وقاحة، وأي معاملة لا تنجز إلا بالدفع، وهنا مسؤولية الدولة التي يغيب عنها الثواب والعقاب، لا بل بال المسؤولين مشغول بالحصص والمحسوبيات.
ــ كيف الخروج إذن من الدوامة الحالية وتأمين مصادر تمويل السلسلة، وهل يمكن رفع نسبة الفائدة على الودائع الى 7 بالمئة وضريبة القيمة المضافة الى 12 بالمئة، بالإضافة الى إجراءات أخرى؟
- المسؤولية تقع علىالدولة، فالحكم رؤية، وعندما يريد أحدهم تحقيق إنجاز لا بد من أن يرتكز الى خطة، لكن للأسف لا يعترف أحد في لبنان بالخطط والبرامج، ولكن من يقم بالتخبيص يمرر ما يريد على أمل أن يأتي أحد آخر غيره ليضبط الوضع، وكل ذلك من دون حساب، وبالتالي قاموا بإنجاز سلسلة الرتب والرواتب من دون رؤية وأوقعوا الجميع في الورطة لا بد من الخروج منها بأقل الخسائر، في وقت تحذر الهيئات الاقتصادية ومعها حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة من انفجار في البلد، إذا طبقت السلسلة من دون مصادر للتمويل كخبط عشواء لم تصب خاصة أن التجارة متراجعة والسياحة متردية والمصانع تقفل، ورغم أن الناس محتاجون. لكن من الناحية الواقعية فلا بد من تأمين الموارد لدفع السلسلة وإلا فمكانك راوح، علماً أن الذين أكلوا لحم هذا البلد، لا بد أن يدفعوا ضريبة تصاعدية، وكل بلد لا بد أن يتكيف حسب حاجته على أن يحصل توازن دون أن نزيد الأعباء على الأغنياء، مع تأمين حاجات الفقراء من خلال رؤية سليمة وحكيمة وواقعية.
Send  Send Print back to home page