Apr-17-2014
مسلسل الافكار كاريكاتور مجتمع ثقافة وفن اقتصاد أخبار عربية ودولية أخبار محلية مقال
Weather
Search
Statistics
تحقيقات «الأفكار»
كتب صبحي منذر ياغي

نحو حالة طوارئ إنمائية مقابل اعدام زراعة الحشيش

القوى الأمنية تستعد لاتلاف المزروعات الممنوعة،
والمزارعون يؤكدون: «نحن بالمرصاد... فالجوع كافر!!»


تتواصل زيارات الوفود الأمنية الأميركية والأوروبية المعنية بزراعة المخدرات للبنان، في اطار من السرية المطلقة، لرصد عمليات التهريب التي تتم من والى لبنان، ومراقبة مدى عودة هذه الزراعة وبصورة خاصة الى منطقتي بعلبك ــ الهرمل، في ظل نقمة عدد كبير من المزارعين الذين يعتبرون أن هذه الزراعات هي البديل الوحيد لتأمين لقمة العيش وسط هذا الجو الاقتصادي الضاغط.

وتتلازم زراعة المخدرات والواقع الاقتصادي المتردي الذي تعيشه منطقة بعلبك، وكانت نتيجة حتمية للحرمان الذي يستوطن هذه المنطقة منذ ايام الانتداب الفرنسي والذي زاد نتيجة فشل الحكومات المتعاقبة في القضاء على مظاهر البؤس والاهمال الرسمي، واستقالة نواب المنطقة من دورهم التمثيلي الحقيقي، رغم وعودهم المعسولة في المجالات الانمائية التي تحملها بياناتهم الانتخابية عشية كل انتخابات نيابية.

تصنيع حبوب «الكبتاغون»

واللافت ان زراعة المخدرات تطورت باتجاه تصنيع الحبوب المخدرة «الكبتاغون»، وقد كانت فضيحة قيام أحد المشايخ في منطقة بعلبك المدعو هاشم .م ( شقيق أحد نواب بعلبك) بتصنيع هذه الحبوب في مصنع تم استقدامه الى بعلبك بالتنسيق مع احد الأشخاص من جنسية خليجية أبلغ دليل على تفشي هذه الظاهرة، وقد عمدت القوى الأمنية الى توقيف عدد كبير من المتورطين مع (هاشم)، والذين يسكنون في مناطق لبنانية مختلفة، وتبين انهم كانوا يعملون على تصدير هذه الحبوب المخدرة الى المملكة العربية السعودية وعدد من الدول العربية.

عودة الزراعة

وكشف رئيس جمعيّة جاد- شبيبة ضدّ المخدّرات جوزف حوّاط «أنّ زراعة المخدّرات (نبتة الخشخاش، الأفيون، الحشيشة...) عادت الى البقاع والى مناطق لبنانيّة مختلفة وبعضها لم يعرف هذا النوع من الزراعات من قبل. ورأى حوّاط أنّ هذه الظاهرة يجب أن تتوقّف، وان يقوم المعنيون باتّخاذ قرار سياسيّ لتلفها قبل تفاقم المشكلة والدخول في مشاكل مباشرة مع المزارعين، مبدياً أسفه لتكرار هذه المشكلة سنويّاً، فيتكلّف المزارع على الزراعات وتتكلّف الدولة لتعود وتتلفها.

غياب المنظّمات الدوليّة

وتساءل حوّاط عن سبب غياب المنظّمات الدوليّة المعنيّة في محاربة آفة المخدّرات عن الساحة اللّبنانيّة، منها مثلاً مكتب المخدّرات التابع للأمم المتّحدة، منظّمة الصحّة العالميّة ومنظّمة «الفاو» التي تعنى في تأمين الزراعات البديلة، مطالباً المنظّمات المذكورة تأمين التمويل لمشاريع في لبنان للحدّ من تفاقم آفة المخدّرات، متمنّياً تخصيص لبنان بخطط وبرامج في هذا المجال.
واعتبر حواط أن ظاهرة صناعة الحبوب التي تستعمل كمخدّر في مصانع حديثة ومتطوّرة في لبنان تتفاقم ويتمّ تصديرها بالمئات والآلاف الى خارج لبنان، علماً أنّ النسبة التي يتمّ ضبطها من هذه الحبوب المهرّبة لا تتخطّى الـ20 بالمئة.

الموقع الجغرافي

لعب الموقع الجغرافي لمنطقة بعلبك ــ الهرمل تأثيره الحتمي في توجه معظم سكان تلك المنطقة نحو الزراعات الممنوعة، كما ان وقوع تلك المنطقة على الحدود اللبنانية ــ السورية جعلها منطلقاً لعمليات التهريب المتداولة بين البلدين.
وإذا كان الموقع الجغرافي لمنطقة بعلبك ــ الهرمل، سبباً في تنامي ظاهرة زراعة المخدرات، فإن السبب الأساسي يكمن في ظاهرة البؤس والحرمان التي كانت تلف المنطقة، والتي رزح تحت ثقلها عدد كبير من سكانها وما زال حتى اليوم.
فالمورد الأساسي للعيش في منطقة الهرمل بصورة خاصة تركز على الزراعات البعلية، وتصنيع الفحم في تلك الجرود وتسويقه في القرى الساحلية، اضافة الى تربية الماعز. انه نمط اقتصاد البقاء والاكتفاء الذاتي الضيق بأبعاده كلها.والمتابعون لظاهرة زراعة المخدرات في منطقة بعلبك ــ الهرمل، يؤكدون ان هذه الزراعة بدأت في العام 1927 (فترة الانتداب الفرنسي) في جرود بلدة عيناتا في قضاء بعلبك، ثم تطورت لتغزو جرود الهرمل وقرى القضاء كلها، كما انتشرت في قرى الجبل الشرقي بعيداً عن انظار السلطات في تلك الأيام. وتطورت زراعة هذه النبتة مع مرور الأيام بعد اكتشاف سرها وسحرها، وما تدره من أموال.
حتى ان المسنين في منطقة بعلبك اكدوا في احاديثهم حول هذا الموضوع، ان السلطات الفرنسية نفسها اخفقت في الماضي في تلف هذه الزراعة، لا بل ان عمليات التهريب كانت في تلك الفترة ناشطة من لبنان باتجاه مصر عبر فلسطين التي كانت تحت سيطرة الانتداب البريطاني.

قانون 1965

وظل الحال على هذا المنوال حتى قيام دولة الاستقلال التي تنبهت لخطورة هذه الزراعة،فأصدرت القوانين التي تحظرها، وحاولت بدورها القضاء عليها، وسمحت للمزارعين بزراعة «القنب الشامي» بموجب قانون 20/8/1956. والقنب الشامي هو النبتة عينها التي تعطي الحشيشة أي «cannabis sativa» ولكن السائل الذي تحمله الزهرة الأنثى في هذا النوع من القنب ضئيل جداً، لا يتيح للمزارعين ان ينتجوا كميات كبيرة من الحشيشة لأن ذلك يوجب كميات كبيرة من نبات القنب، لذا فإن الدولة كانت تقوم بشراء المحصول لاستخدامه في استخراج الخيوط النسيجية من قصبانه وفي صناعات اخرى منوعة.
ويعتبر الدكتور حسن نصر الله «أن قانون 1965 لم يطبق عملياً، وحتى حملات الاتلاف كانت تتعرض للتزوير والرشى، فهي تتم غالباً بعد نضج النبتة، ويجب ان تتم قبل ذلك. وكثيراً ما يجمع العمال المتلفون النبتة الذكر فقط، ويحرقها المسؤولون، في حين تبقى النبتة الأنثى التي تحتوي المادة المخدرة صالحة للاستعمال».
ويؤكد الدكتور عبد الإمام نون، الذي أعدّ عام 1985 دراسة عن ظاهرة التهريب واثرها على البنية الاجتماعية والاقتصادية، ان دخول نبتة الحشيشة الى منطقة بعلبك شكل بداية نشطة لاعمال التهريب و«باعتبار ان العمل والاتجار بها يعتبران خروجاً على القانون. فقد عمد بعضهم الى اعتماد وسائل تهريب بعيدا عن انظار السلطات المحلية، وذلك من منطقة بعلبك الى سائر المناطق اللبنانية الأخرى، وبالتالي عرفت طريقها الى الخارج».
وتابع الدكتور نون «وخلال اعداد دراستي عن هذا الموضوع اكد احد المهربين ان القوافل المحملة بالحشيشة في الماضي كانت تصل الى منطقة الهرمل، ومن هناك كانت تنتقل بواسطة شاحانات لحساب «لورانس الشعلان» عبر الأراضي السورية في اتجاه المملكة الأردنية».

ممرات عبر الجبال

وكانت الحدود اللبنانية ــ السورية عام 1950 من دون مراكز للجمارك ولا توجد موانع لدخول البضائع والسلع أو خروجها، حتى حصول الانفصال الجمركي في العام نفسه عن سوريا، عندما بدأت السلطات اللبنانية والسورية تمارس دورها في مكافحة التهريب. واستطاعت منطقة بعلبك منذ القدم أن تؤمن ممرات عبر الجبال تربطها بسوريا وأهم هذه الممرات كانت: بعلبك ــ عنجر ــ دمشق، بعلبك ــ الزبداني ــ دمشق، بعلبك ــ اللبوة ــ جوسي ــ حمص، اضافة الى الممرات والمسالك التي كانت تعبرها قوافل الجمال عبر الجبال والأودية.
وظل حال زراعة الحشيشة في منطقة بعلبك الهرمل على هذا المنوال وصولاً الى مرحلة العهد الشهابي، الذي حاول القضاء على هذه الظاهرة بشكل علمي ومنطقي تجلى في ايجاد بديل للمواطنين من زراعة المخدرات من خلال السعي الى معالجة الواقع الاقتصادي المتردي في منطقة بعلبك - الهرمل، وتخصيص بعض الموازنات، وتوظيف نسبة لا بأس بها من ابنائها في ملاكات الدولة الرسمية

اليوم.. حالة غضب

واليوم حالة غضب... تسمعها وتلمسها من معظم مزارعي الحشيشة في منطقة بعلبك الهرمل، الذين يعتبرون أنفسهم ضحية خداع الدولة اللبنانية والمؤسسات الدولية المانحة، حين توسّموا خيراً في مشروع الزراعات البديلة وتوقفوا عن زراعة المخدرات... إلا أنّ الوعود ذهبت أدراج الرياح، والأموال التي رُصدت لمشاريع الزراعات البديلة في التسعينات تبخّرت والتهمها المسؤولون والنوّاب وأصحاب النفوذ وضبّاط المخابرات السورية وقتذاك.
الأحداث اللبنانية وما تلاها من سنوات حرب وفوضى وفلتان أمني، شكّلت للمزارعين فرصة ذهبية، فتوسعت زراعة الحشيشة، ومعها توسعت زراعة الأفيون «أبو النوم». وصار للمهربين طرقات خاصة لتهريب البضاعة إلى دول أوروبية، وكان للميليشيات دورها في تسهيل مرور المخدرات، سواء عبر مطار بيروت أو المرافئ التي باتت خارج سلطة الشرعية. وتجارة المخدرات كان لها دور إيجابي على الصعيد الاقتصادي، فعمّت البحبوحة منطقة بعلبك الهرمل، وطبعاً تأثرت بقية المناطق اللبنانية بهذه الطفرة المالية، وشاركت في تجارة المخدرات شخصيات سياسية ونيابية واجتماعية بارزة، حتى في زمن الوجود العسكري السوري في لبنان، بقيت زراعة المخدرات ناشطة، واستفاد عدد كبير من المسؤولين الأمنيّين السوريين واللبنانيين من هدايا المهربين، وتقديماتهم، لقاء توفيرهم التغطية الأمنية، وكانت أسواق التهريب موزعة على عدد من الدول الأوروبية والأميركية، وتشارك فيها عصابات منظمة محلية ودولية، حتى أنّها شملت إسرائيل ومنها إلى مصر، من خلال الشريط الحدودي المحتل، وبتواطؤ مع مسؤولين في الجيش الإسرائيلي، وجيش لبنان الجنوبي «جيش أنطوان لحد».

حشيشة في الملفوف

وشرح أحد المزارعين (مصطفى. ش)، وهو من أصحاب الباع الطويل في عمليات تهريب المخدرات، كيف أنّ عمليات التهريب كانت تتم بتواطؤ مع مسؤولين أمنيّين وشخصيات سياسية وحزبية بارزة، لقاء عمولات وسمسرات: «... اخترعنا افضل الطرق لتهريب الحشيشة، منها وضعها في نبتة الملفوف وتركها تلتفّ حولها. وكنّا نصدرها مع كميات الخضار التي كانت ترسل إلى مصر وعدد من الدول العربية، وكذلك في خزانات الوقود للسيارات بعدما قسّمنا خزان وقود السيارة إلى قسمين، الأسفل للحشيشة والأعلى للبنزين، وفي المعلبات وغلاف الشاي، كل ذلك بُغية التمويه والتهريب».
ولأنّ زراعة الحشيشة أقلّ كلفة من زراعة الخضار والحبوب وتدرّ مالاً وفيراً، فإنّ المزارعين يتهافتون على زراعتها، وحسب (الياس .ر) من بلدة بقاعية ، إنّ زراعة نبتة الحشيشة تتميز بانخفاض كلفتها من ناحية اليد العاملة وعدم الحاجة إلى كميات من المياه لريّها، وهذا ما يجعل من زراعتها أمراً ميسوراً، في حين تتطلب زراعة الحبوب والبطاطا عناية وإمكانات وكلفة أكبر، وتحتاج إلى أسواق تصريف، فضلاً عن تعرّضها للمضاربات الخارجية. أما المزارع (م .ع) فقد اكد أنّ الدولة هي التي تدفع المواطنين في المنطقة للإتجار بالمخدرات، لأنها لا تهتم بمصيرهم ولا تفتح أمامهم سُبل العيش والارتزاق، فيضطرون للجوء إلى مثل هذه الزراعة «نظراً إلى الإيرادات المالية التي تتأتّى منها (نحو 4 مليارات دولار، وهذا الرقم يخضع للتغيير زيادة أو نقصاناً تِبعاً للمساحات المزروعة وعدم إتلافها..)

إلى الحقل... در

مزارعو المخدرات توجهوا إلى حقولهم لزراعة المخدرات منذ شهر شباط (فبراير) الماضي ، فيشرح زياد .ع. لـ«الافكار»: «إنّ عملية زراعة المخدرات تبدأ من خلال زرع البذور «القنبز» في بداية شهر شباط، وفي شهر أيلول (سبتمبر) يتمّ قطف عشبة الحشيش وتجفيفها ثم تنظيفها، وفي أشهر الشتاء يبدأ الكبس في معامل خاصة ابتدعها مصنّعو المخدرات، بعدما تتحوّل مادة تشبه الطين، وتسمى كل قطعة من المخدرات «هُقَّة»، وتوضع في أكياس من الخام». ويؤكد أحد مزارعي المخدرات أنّ الدونم المصنّع جيداً يُعطي (أوقَّة) من الزهرة أي (نصف رطل)، وأوقَّتين من (الكَبشَة) العادي. كما أنّ زراعة ألف متر مربع بنحو كيلو واحد من القنبز، تعطي ما بين 40 و50 كيلو من الحشيشة يصل سعرها إلى نحو 20 ألف دولار أميركي (تبعاً للظروف وحركة الطلب وإمكان التهريب)، والحشيشة أنواع: الزهرة، الكَبشة، وأجوَدها الـ«هَبُو»، وزهرَة «الكُولش». يتم تخزين مسحوق الحشيشة داخل أكياس من القطن أو الكتان، وبذلك يحتفظ بفاعليته أطول فتره ممكنة.

والدولة بالمرصاد

وفي كل عام، وفي أشهر الصيف وقبل حلول موسم قطاف الحشيش، تقوم الدولة اللبنانية بحملاتها لاتلاف مساحات كبيرة من هذه المزروعات التي تقدّر بنحو عشرين ألف دونم، وهي حسب مكتب مكافحة المخدرات كافية لإغراق السوق اللبنانيّة. وكثيراً ما تتعرّض القوى الأمنية لإطلاق رصاص وقذائف صاروخية من المزارعين، بُغية مَنعها من إكمال عملية التلف.

دولة المزرعة والأزلام

المزارعون أكدوا لـ«الأفكار» انهم سيتصدون لمحاولة اتلاف الحقول المزروعة بالحشيشة مهما كلف الأمر فالجوع كافر يا استاذ ــ قال مصطفى .م ، متابعاً، ودولتنا اللبنانية بدل من أن تعلن حالة طوارئ عسكرية، فلتُعلِن حالة طوارىء إنمائية لمنطقة بعلبك الهرمل ومناطق أخرى مماثلة في عكار والجنوب، حتى يشعر المواطن بأهمية الانتماء الى دولة راعية وعادلة، لا دولة المزرعة والأزلام والمحاسيب والصفقات والسَمسرات».
Send  Send Print back to home page