فنان تحت الضوء

أستاذ اللغة العربية الذي
أصبح من أشهر المطربين..

نصري شمس الدين مختار المخاتير في أعمال
الأخوين الرحباني كما تراه ابنتاه لينا وريما!


الى جون في قضاء الشوف حيث ابصر النور في العام 1927 الفنان الراحل نصري مصطفى شمس الدين كانت وجهتنا. الطرقات ضيقة في البلدة، خاصة في الحي الذي يحتضن منزله المقفل الا على ذكرياته وأغراضه: عوده الخاص مشلوح على الكنبة في صدر الصالون، صورتاه بالطربوش واحدة بالاسود والابيض والأخرى ملونة مرسومة بالريشة، أوسمته، شهادات التقدير له، صورته في أوبريت «فخر الدين» وأخرى مبروزة مع فيروز في مسرحية «بترا»، جميعها هنا تصل الماضي بالحاضر، بانتظار لفتة ما، رسمية ربما، بعدما أخذت العائلة الأمر على عاتقها فنصبت تمثالاً لـ«شيخ المشايخ» عام 2005 في ساحة البلدة من تقدمة صهره، والأرض من البلدية. تاريخ نصري شمس الدين جزء أساسي من الفن في لبنان فتحنا بابه مع ابنتيه التوأم ريما ولينا المتزوجتين في الضيعة أيضاً، واللتين وافتانا مسرعتين الى «بيت البابا» وكأنهما سيلتقيان به من جديد...

ثلاثة باسم نصري..

تبدأ ريما بإخبارنا أن هناك ثلاثة أحفاد يحملون اسم «نصري»، وبينهم من صوته جميل كجده ويشبهه خاصة بالطربوش والشاربين. هذا الجد الذي تعب وعانى لأن طريق الفن شاق ومضن. تقول ريما: «لم يرد لنا أن نسير في هذا الطريق. أنا صوتي جميل، ولطالما كان والدي يدعوني الى الغناء معه في البيت ويشجعني ويصحح لي عندما أخطئ، إلا أنه لم يرد لأي منا نحن أولاده الستة أن نخوض غمار هذا العالم، ولا أشعر بقرارة نفسي الآن بأية حسرة لأنني احترمت رغبته».
وتكمل عنها لينا: « كان يسمعنا أغانيه كلها، يستفتينا قبل أن يختارها، ونتذكر السهرات مع الفنانين خاصة في بيروت، وأكثرهم فكاهة طبعاً فيلمون وهبة، كما نتذكر زكي ناصيف ووجدي شيا وغيرهما.. في بالنا يبقى حاضراً أيضاً عمله مع ملحم بركات في مسرحية «الطربوش» وكانا يلتقيان للبروفات ويعقدان الجلسات الطويلة، كما نستعيد جلساته مع الشاعر عماد شمس الدين الذي كتب له أغنية عن الجنوب، ونذكر الفنانين عصام رجي وسمير يزبك، وكان والدي يسجل في ستوديو نبيل ممتاز.. بعد وفاة نصري غابت كل الأسماء الكبيرة عن المشهد. أما في جون حبيبة قلبه، فالشرفة المطلة على التلال الخضراء هنا (تشير لينا اليها) كانت الأجمل بالنسبة اليه في الكون كله، ولها غنّى وللمعصرة والزيت والزيتون في مسرحية «ناس من ورق» التي أدى فيها شخصية مدير فرقة «سيرك». أجمل مشاويره كانت الى نبعة «عين حيرون» حيث المياه تبقى متدفقة صيفاً شتاءً ويملك أرضاً فيها، جعلها مزرعة، وفيها ما لذ وطاب من الخضار والفاكهة. كان والدي كثير الغياب عن البيت، يطل على المدرسة التي يملكها صديقه وليم حسواني وكنا تلامذة فيها، يطالع ويشرح لنا الأدب العربي ويفسره، اذ كان أستاذ لغة عربية سابقاً. ومن الذكريات التي لا ننساها أيام مرافقتنا له الى الصيد، أو الى قطف الزيتون وعصر الزيت. وقد عوضت امي غيابه باهتمامها بنا من دون أن تتذمر يوماً، لأنها كانت هي أيضاً تحب أجواء الفن والطرب والبيت المفتوح».

صوت.. من ذهب

بدأ نصري بالغناء مذ كان صغيراً وكان يروي باستمرار كيف امتلك الجرأة ليغني أمام رئيس الوزراء اللبناني أحمد الداعوق مطلع الستينات وعمره لم يتخط الثالثة عشرة في حفل مدرسي قدم خلاله الأغنيات المناسبة لانتهاء العام الدراسي وبلغ من إعجاب الرئيس الداعوق بصوته أن سحب من يده ساعته الذهبية وقدمها للمطرب الناشئ إعجاباً بصوته لينطلق اسم نصري في قريته جون وفي القرى المجاورة لها وليطلق عليه لقب كان الأكثر قرباً إلى قلبه وهو مطرب الضيعة. عمل كمدرس لغة عربية لمدة ثلاث سنوات ولكن هذه المرحلة سرعان ما انتهت من حياته بعد أن ضبطه مدير ثانوية صور وهو يغني للطلاب في الصف خلال الحصة الدراسية فخيّره بين الغناء أو التدريس فاختار الرغبة الأولى بدون تردد.
وبعد أن حزم نصري شمس الدين أمره في احتراف الموسيقى سافر إلى مصر قبلة الفنانين آنذاك والتقى مسؤولين في شركة «نحاس فيلم» (إميل وشارل نحاس) وبقي ثلاث سنوات مع فرقة الممثل المصري إسماعيل ياسين ثم انتقل إلى بلجيكا ليدرس الموسيقى ويعود منها حاملاً ديبلوماً في الموسيقى.
كان على نصري انتظار الفرصة المناسبة عقب عودته إلى لبنان حيث عمل موظفا في مجال الهاتف بمركز بريد بيروت حتى بداية العام 1952 حين خطا المطرب الراحل أولى خطواته نحو عالم الفن بعد أن قرأ إعلاناً في صحيفة لبنانية تطلب فيه إذاعة الشرق الأدنى مواهب فنية شابة.

الرحابنة قدره ...

لعب القدر لعبته عندما تشكلت اللجنة الفاحصة في الإذاعة اللبنانية من الأخوين عاصي ومنصور الرحباني وحليم الرومي التي وافقت بالإجماع على ضمه إلى مطربي الإذاعة التي أصبح اسمها لاحقاً إذاعة لبنان الرسمية فساهمت في تكوين هذا الفنان الذي ترك ما يقارب الخمسمئة أغنية بين موال ودبكات وأغنيات عاطفية ووطنية وثنائيات. ظهر نصري في جميع أعمال الرحابنة المسرحية والسينمائية والتلفزيونية، بالإضافة إلى الاسكتشات الاذاعية وكانت شخصية المختار هي الطاغية، وشكل عمله معهم جزءاً أساسياً من تاريخه الفني وهما من أطلق عليه اسم نصري بعدما كان الاسم في تذكرة الهوية نصر الدين. استمرت العلاقة الوثيقة بهما طوال 28 عاما، وقد بدأت عندما شارك في أداء ثاني أعمالهم المسرحية «موسم العز» الذي قدم لأول مرة على مسرح معرض دمشق الدولي عام 1960 إلى جانب وديع الصافي، وانتهت بمسرحية «بترا» التي عرضت بدورها على مسرح معرض دمشق الدولي عام 1977 وكانت آخر عمل مسرحي مشترك بين فيروز والرحابنة. هذا وشارك شمس الدين في الأفلام الثلاثة التي لعبت بطولتها فيروز وهي «بياع الخواتم» و«سفر برلك» و«بنت الحارس». التزامه بالعمل مع الأخوين الرحباني جاء من كل قلبه وهذا ما يظهر في التحقيق الذي أجراه الصحافي هشام الشيشكلي معه ويقول فيه : «منذ أن رافقت فيروز بعد تفرغي للفن عام ١٩٥٥ بفترة بسيطة، وبعد أن جذبني صوتها المخملي وأنغام الأخوين الرحباني المبدعة، وأنا أعتبر هذا الفن الأصيل رسالتي وشاغلي الأول قبل زوجتي وأولادي».
أدى نصري شخصيات متشابهة في مسرحيات «الشخص» و«صح النوم» و«المحطة» فظهر فيها في موقع الشخص المسؤول الذي يحاول أن يبرر فساد السلطة ويقنع الشعب بعدلها، ولكن دوره الأكثر بقاء في الذاكرة كان في شخصية ماسح الأحذية بمسرحية «لولو» والأغنية الشهيرة «بويا بويا .. شغلة ومنلا شغلة».

أول وليس ثانياً...

العمل مع الرحابنة، الذي أثمر أجمل الأعمال جاء من النقاد من يعتبره ثغرة في مشوار نصري، معللين ذلك بالقول إنه بقي تحت جناحهم لذلك ظلم ولم يكن الأول أبداً، إنما الثاني بعد فيروز. لا تعير الابنتان هذا القول اهتماما كبيراً، فالأمور ليست بحاجة الى توضيح : «الرحابنة أعطوا نصري أفضل ما يمكن وهو لم يكن الثاني أبداً بل كان وفيروز يتكاملان، حتى إنك إن ذكرت الاسم الأول ذكرت الثاني. ولما أراد نصري أن يستقل بعمله بعيداً عن الرحابنة ابتعد بلباقة قائلاً: «عشنا عذوقكن العمر كلو/ خليني عيش اللي باقي متل ما بدي».
عندما غرد نصري شمس الدين لوحده نجح جدا في عمل «الطربوش» الذي تعاون فيه مع ملحم بركات، إلا أن هذا المشوار كان قصيراً جداً، ولم يتعد الثلاث سنوات قبل أن توافي المنية نصري في 18 آذار (مارس) عام 1983 في «نادي الشرق بدمشق» عندما هوى فوق خشبة المسرح التي طالما أحبها وأحبته وكانت زوجته معه حيث نقل إلى المشفى لكنه فارق الحياة إثر نزيف حاد في الدماغ وعمره لم يتخط 56 عاماً.. ومن سوريا كان استقى أغنيته الشهيرة «شبابيك الحلوة بطرطوس» أثناء زيارته برفقة الرحابنة لهذه المدينة الساحلية الوادعة. عند وفاته رثته فيروز من أعماق القلب بقصيدة «خسرتك يا نصري» وتقول فيها: «يا رفيقي الوفي وفنّاني الكبير/ في شي بفنّي زاد، لأنك جيت/ وفي شي بفنّي نقص، لأنك رحت»..

غيرة نصري ووديع

تتفق ريما ولينا على أن أحبّ أعمال نصري الى قلبه كان مسرحية «فخر الدين». أما الأغنية التي يرددها بشكل دائم هي «نسم علينا الهوا» لفيروز. كان يقول عنها من «أحلى الأغاني»، أما أحب أغانيه الخاصة فكانت «دقينا ومردوش» (الطربوش). وماذا عن أحب الأصوات الى مسمعه؟ بدون شك صوت الموسيقار عبد الوهاب. «كان يدندن بشكل دائم أغانيه وأغاني كوكب الشرق ام كلثوم.. طبعاً كان يحب صوت وديع الصافي، وكانت علاقته به جيدة على الرغم من كل ما حاكته الألسن وكتبته الأقلام عن الغيرة والتنافس بينهما.. صوت كليهما جبلي، إلا أنهما لا يتشابهان ولكل منهما خامة صوت مختلفة.. وديع لا يستطيع أن يكون نصري ولا العكس».
تذكر لينا من بين الفنانين الحاليين الذين اعادوا أغاني نصري الى الأسماع علاء زلزلي في «هدوني» إلا أنه غيّر فيها كثيراً، ومعين شريف أدى بشكل رائع أغنية «سامحينا» في الحلقة التكريمية التي أقيمت لنصري. أما الابنتان فتغنيان بشكل شبه يومي «عالهوب..»، «رقصتك بالعيد»، «طلوا الصيادي»، وتقولان إن «هذه كلها من الجميل أن يعاد غناؤها».. إلا أن الخسارة هي في الأعمال الرحبانية التي لم تصور وهي عديدة بينها «البعلبكية»، «الشخص»، «ناس من ورق» و«جبال الصوان»، «هالة والملك».. هذه كلها صوت من غير صورة.

بيت المختار.. والابنة ظاظا

المنزل المقفل اليوم لن يتحول متحفا، سيتم جمع الأغراض الخاصة بنصري في غرفة واحدة، كذلك سيتم جمع الأرشيف المبعثر، والصور المفرقة على الأولاد الستة، خاصة ان كثيرين يسألون عن أرشيف نصري وإنجازاته ويطلبون معلومات عنه. ابنته ظاظا (الماظة) التي تعيش في الولايات المتحدة الأميركية فتحت صفحة رسمية على «الفايسبوك» فيها الكثير الكثير عن الفنان الذي لقب بـ«شيخ المشايخ» و«شيخ الضيعة» فيما كان اللقب الأحب الى قلبه «المختار».. كان نصري متمسكاً بالطربوش والشاربين في أدواره لأنهما شكّلا هويته. ماذا يطلب أبناؤه وبناته اليوم من مساعدة لحفظ هذا التراث القيم؟
تقول ريما :
- مطلبنا اليوم نوجهه للإعلام، وبشكل خاص الاذاعات والتلفزيونات التي لا تعطي نصري شمس الدين حقه حتى في ذكر الأغاني أو المعلومات عنه أو حتى الإشارة الى أن الأغنية تعود له عندما يؤديها غيره، كما أن الوسائل الاعلامية تؤكد أحياناً معلومات خاطئة آخرها سؤال في مسابقة سئل فيها المتباري عن جنسية نصري شمس الدين فأجاب بأنه سوري، فصفقت له المذيعة وربح المشترك الجولة من دون أن يجري أي تصحيح. هل هذا يجوز؟. أقل ما يمكن في ما يتصل بعمالقة التراث اللبناني أن تحترم المعلومات عنهم وتوثق عند تناولهم.
لم يترك نصري أية وصية لأولاده، مكتوبة ولا شفوية، فهو غادرهم على غفلة، إلا أنه لطالما ردد أمامهم ما اعتبروه هم وصيته الأولى والاخيرة «حبوا بعضكم وانتبهوا لبعضكم»، وهذا ما يبدو أنهم حريصون عليه بشكل خاص بعد غيابه.

عبير انطون